|
 |
إنّ فنّ الأيقونات في الكنيسة
الشرقية الأورثوذكسية هو عبارة عن فنّ طقسيّ
مقدّس . . مثل كلّ الفنون الكنسية . له هدف
روحي أكثر من أن يكون فقط من أجل تزيين
الكنيسة بالرسومات . . وإبهاج العيون .
وهذا الفنّ في اللغة اليونانية
يدعى ( آيّو غرافيّا ) أو الصورة المقدّسة ,
لأنّه يصوّر الأشخاص والمواضيع المقدّسة . .
ورسّام الأيقونات أو ( الآيّو
غرافوس ) ليس من المفترض أن يستعمل هذا الفنّ
بشكل حِرَفي . . حيث أنّه قديماً كان يقتصر
على الرهبان فقط وكانت الرسومات سواء أكانت
جدارية أو منقولة تنفّذ داخل الكنيسة خطوةً
فخطوة .
الأيقونة البيزنطية لها معنى
لاهوتي . . تُرْسَم بتلك الطريقة الغريبة
والفريدة من
نوعها لتجعلها مميزة عن باقي الصور الدينية التي ترسم
بطريقة مادية كما نرى في بقية
الفنّون الدينية . |
لهذا
السبب نرى في الأيقونات البيزنطية نقاوة مدهشة ترفعنا فوق
العالم الفاسد متى
نظرنا إليها .
هذا الفنّ الثابت( ككنيسة السيد المسيح )
لا ولم يتغيّر مع تغيّرات الحياة والإنسانية ، وهذا
التقليد المقدّس هو عمود
النار الذي يقود الكنيسة عبر
بريّة العالم الغير مستقرّ . . ولهذا يعتبر مفاجأةً لإنسان
القرن الحالي الذي لا يغوص في
أعماق البحر الروحانيّ . .
فالسباحة على سطح الأحاسيس تجعل المرء ينجرف مع تيّارات
ودوّامات المياه .
إنّ هذا الفنّ يغذّي أرواحنا بالمواضيع
والمشَاهِد المُسْتمَدّة من الكتاب المقدّس كما يجعلنا
ندخل عبر بوّابات الأحاسيس فيبهج أرواحنا بالنّبيذ
السماويّ ويمنحنا راحة البال .
إنّ المهارة في هذا الفنّ ليست مسألة
ميكانيكية ، ولكنّها تشترك في الرّوحانية وقداسة الأشياء
المُراد تصويرها . حتى أنّ المواد التي تدخل في الأيقونة
كلّها مواد نقية طبيعية معطّرة .
فالخشبة التي تُرْسَم عليها تؤخذ من السّرو أو الجوز أو الكستناء أو الصنوبر أو أيّة شجرة أخرى
معطّرة . والألوان مُسْتَخرجة من الأرض تنبعث منها رائحة
معطّرة متى مزجت مع الماء . . وخاصةً في رسم ( الفريسك )
الرّسم
الجداري ، ففي اللحظة
التي يضع فيها الرسّام ألوانه على الحائط الكلسيّ قبل
جفافه تفوح منه روائح معطّرة ، كالجبال عندما تلامسها
أمطار الخريف الأولى .
لا تُسْتَعمل أبداً في هذا الفنّ مواد
سميكة أو خشنة كما في بقيّة الفنون التشكيلية مثل
( زيت
الكتان ، وطلاءات سميكة ، وفراشي خشنة ومشعرة ) .
إنّ جمال الأيقونات البيزنطية نابعٌ من
جمالٍ روحيّ . . وجمال الروح ليس من جمال اللحم وأيضاً
نراها جداً عادية بعيدة عن الإفراط بالتزيين .
صام
رسّامو الأيقونات الكبار متى عملوا ، وعندما بدؤوا الرسم
غيّروا ملابسهم الداخلية لكي يكونوا أنقياء داخلياً
وخارجياً . . كما هتفوا المزامير حتى ينفذ عملهم في روح
الندم و يمتنعون عن الانشغال بأيّ أمر دنيويّ .
فالأيقونات البيزنطية المقدّسة تبدو مشوّهة إلى حدّ كبير
بالنسبة إلى أولئك الذين لهم روح العالم ،
والذين
صوّروا الناس في عيونهم شكلاً وليس روحاً .
وأخيراً : في الأيقونات البيزنطية نرى بأنّ اللحم مصـلوب
مع العواطف والرغبات .
فهو
فنٌّ ممتعٌ وصارمٌ بنفس الوقت
.
|